postimage

samedi 1 avril 2017

اللائحة الثقافية



تعد الجامعات منارات للعلم والمعرفة وبناء الثقافة التقدمية التي تنهض بالمجتمع وتقاوم مختلف أصناف التهميش الفكري والتفسخ والانخلاع ومختلف الظواهر التي صار جزء كبير من الشباب التونسي ضحية لها نتيجة سلسلة من الخيارات المحلية والعالمية عمقت الفراغ الثقافي وحولت الشعوب إلى مجرد مستهلكين لما يُصدر لهم وهي وضعية وواقع مجتمعي صنعتهما عديد الظروف التاريخية كما انها خصائص وسيمات تنطبق على الواقع العربي ككل في غياب مشروع حداثي تحرري ونتيجة سيطرة الإتباع على الإبداع وهيمنة النقل على العقل لأكثر من سبعة قرون تراجع فيها العرب عن دورهم الريادي في قيادة مسيرة التقدم الإنساني. ولما استفاق العرب على حجم تراجعهم الفكري وتأخرهم عن مسار التطور الإنساني تم وأد محاولاتهم المبكرة فلم يستمر مشروع النهضة الذي دشنه رواد الإصلاح في النصف الثاني للقرن التاسع عشر طويلا وجرى التكالب عليه واحتواؤها سريعا من طرف القوى الاستعمارية ووكلائهم المحليين الذين نجحوا في فرض حالة جديدة من التخلف والتبعية الفكرية والمادية، وما ترافق مع ذلك من أزمات قيمية تجلت خاصة في انتشار ثقافة الغلو والفردانية والفئويات الضيقة وتشوه بنية الشخصية ومكوناتها ككل وسيطرة الفهم الغيبي والمثالي على نظرتنا للأشياء وهي الحالة التي سماها أحد المفكرين "بالجهل المقدس" الذي تمكن من ذاتنا الحضارية وكياننا المجتمعي، بينما نهضت مختلف الأمم والشعوب، من جنوب شرقي أسيا إلى أوروبا الشرقية والقارة الأمريكية، وتداركت تخلفها تقدما ماديا وفكريا.
هذه المعطيات والواقع الذي لم يعد خافيا مما يفرض على جميع قوى الأمة التقدمية والمنتصرين لمشروعها الحضاري الغائب أن تقف مع ذاتها وتفكر مليا مجتمعة ومنفردة في المداخل والأدوات التي تمكنها من تحريك المياه الراكدة وإضاءة شمعة في دهاليز التخلف الموحشة بغية تدارك ما فات وتقويم ما اعوج من سلوكيات وممارسات ،رغم صعوبة المهمة وما تحيط بها من مكبلات، حيث أن النضال السياسي والتقدم المادي لا معنى لهما دون نضال ثقافي حقيقي وتأسيس مشروع فكري مستنير يستفيد من كافة الطاقات والإمكانيات والمجهودات من أجل أن ينهض بواقعنا الجمعي ويخرج مجتمعاتنا من حالة التهميش الثقافي التي استبدت بها طويلا وجعلت هذه الشعوب فريسة سهلة المنال لموجات التطرف والاستبداد ونزعات التفرقة بأيسر المداخل وأوهن التعلات سواء كانت مذهبية أو إثنية وكذلك جهوية وعروشية.
ومن خلال النظر إلى واقع الانتفاضات العربية القائمة نتأكد أكثر من جذرية هذا المشروع وأولويته في رسم المستقبل العربي مثلما ندرك أن الثورة السياسية ضد الفساد والاستبداد لا يمكن لها أن تثمر أو تستمر بغير ثورة ثقافية مماثلة ومرادفة لها تفكك بنى التخلف القائم وتجفف منابع الفردانية الذاتية والفئوية وثقافة الإتباع ومنطق اللاهوت والماورائيات والتعصب الأعمى وكلها عناصر استبداد وفساد قيمي وثقافي جادت بها علينا هذه التحولات حينما وقفنا على حقيقة مجتمعاتنا فطفا على السطح ما كان مخبأ من أعراض الماضي السحيق وعاد إلى دائرة السجال الفكري ما ظننا أنفسنا حسمناه منذ قرون وأتينا على كل أسئلته.. وهو الواقع الذي علينا التعاطي معه كما هو والتأسيس على أنقاضه لحداثتنا الفكرية والسياسية والمجتمعية.
وبالعودة إلى تجارب مماثلة وتاريخ الثورات الحديثة في أوروبا مثلا نرى أن تلك الثورات نجحت وحققت التقدم لتلك المجتمعات ،رغم النقائص والاخلالات، لأنها سبقت بثورات ومسارات فكرية وفلسفية حقيقية قوضت المقولات والقيم القديمة وأسست لأخرى جديدة ومستنيرة ذلك أن حركة الإصلاح الديني في أوروبا التي قادها لوثر وكالفن في القرن السادس هي مهدت لظهور التنوير الفلسفي في القرن الثامن عشر مع روسو وفولتير ومونتسكيو وكانط وكل هذه الحركات والمنجزات الفكرية مجتمعة فجرت الثورة الفرنسية وأعقبتها مختلف الثورات المماثلة التي قامت عليها أوروبا الحديثة. مما يعني بالنسبة لنا وفي هذا المستوى إعادة التأسيس لمشروعنا الثقافي والفكري ليكون خير سند لنضالنا السياسي والاجتماعي لجدلية العلاقة بينهما واستحالة فصلها إجراء وباعتبارنا في محيطنا الخاص والعام نعتبر أنفسنا جزءا من مشروع التحرر الوطني والقومي والإنساني الذي يروم الأفضل ويتوق إلى الحداثة في أوسع مضامينها وأشملها وهو أيضا ما كان حاضرا في نضالات الحركة الطلابية وأداتها النقابية حيث لم ولن يفصل يوما السياسي عن الثقافي أو المطلبي عن المعرفي.
وقد عملت الحركة الطلابية منذ العقود الماضية ،وفي أحلك فترات القمع والاستبداد، على العناية بالنشاط الثقافي والارتفاع بالذائقة الطلابية عبر إقامة التظاهرات الثقافية الفكرية والحفلات والنشريات والإسهامات الفكرية والنقدية وذلك إيمانا منها بدور هذه الأنشطة في تثوير الواقع وكون النشاط الثقافي بمختلف أصنافه وفروعه جزءا لا يتجزأ من مشروع البناء المجتمعي البديل الذي يُهدف إليه وهو ترجمة لرؤيتها للمستقبل وإيمانها بمشروع الحداثة التي تنخرط فيه إضافة إلى بقية القوى التقدمية في البلاد والوطن العربي والعالم. فمدارج الكليات كانت على الدوام مسارح للأغنية الملتزمة والإبداع الشعري والمحاضرات الفكرية والتاريخية ولم يقتصر نشاط الحركة وأداتها الطلابية عن النشاط النقابي والتحريضي. ففي
الوقت الذي عمل فيه النظام الكوني الجديد القائم على تعميم منطق العولمة ومقولات نهاية التاريخ والإنسان الأخير كانت الحركة الطلابية جزءا من حركة الشباب المناهض للعولمة والمتصدي لسياساتها المتغولة.
كما أن أيماننا بدورنا التاريخي والاستراتيجي يُحتم علينا المشاركة الجادة والفاعلة في كل نشاط تقدمي يؤسس لقيم الحداثة ويعلي مفاهيم وقيم الإبداع ويتطلع إلى النهوض بالمجتمع وتطويره، وذلك بالانحياز إلى قيم العقل ومضامين التطور وثقافة الحياة في وجه دعاة الانغلاق والابتذال الفكري والقيمي وكل محاولات العودة إلى الوراء بإحياء نماذج متخيلة في التاريخ أو في الجغرافيا مثلما نعتز بثقافتنا الوطنية وتراثنا الإنساني وندعو إلى النبش قي مضامينه والاستفادة منه لفهم الواقع وتمثل الذات، خاصة أن الغرب هو الذي استثمر منجزاتنا السابقة واقتنص مضامينها لتطويرها وتولى استثمارها في التأسيس لحداثته في حين تأخرنا نحن عن الركب الإنساني، فالحضارة العربية الإسلامية أبدع روادها في الفلسفة والفقه وعلم الكلام والمنطق وأنتجوا المعرفة وصدروها إلى باقي الأمم وإعادة فهم هذا التريث في ضوء الواقع ومتطلباته والانفتاح على باقي المنجز الإنساني بلا غلو أو تعصب من المجهودات الفكرية التي تستدعيها اللحظة التاريخية ونعمل على الانخراط فيها وتشجيع هذا المنحى في الأوساط الجامعية خاصة والوطنية عامة.
إلى جانب ما يفرضه ذلك من مراجعة جذرية لمناهج التعليم ومزيد الاهتمام بالعلوم الإنسانية، التي جرى تهميشها في السابق، وكذلك الفنون وتشجيع الإبداع الفكري والأدبي والفني في مختلف المجلات والتكثيف من الأنشطة في هذا المجال. والحركة الطلابية انطلاقا من دورها التاريخي ومركزيتها اجتماعيا تأتي في طليعة المعنيين بمشروع البناء الثقافي والممهدين للمستقبل الأرحب.

مواضيع ذات صلة

جميع الحقوق محفوضة ل الإتحاد العام لطلبة تونس
عاش الإتحاد العام لطلبة تونس
صمم ب كل من طرف الرفيق : إياد عرفاوي